عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
92
روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )
أعيا الواعظين دواؤه ، وأعجز المتطببين شفاؤه ، وقد بلغني نفع مراهمك للجراح والآلام ، فبادر رحمك اللّه في إيقاع الترياق ، ولو كان مر المذاق ، فانى ممن يصبر على ألم الدواء رجاء الشفاء ؛ قال أبو عامر : فنظرت إلى منظر بهرنى ، وسمعت كلاما أفظعنى ، ففكرت طويلا ، وتأتى لي من الكلام وسهل من صعوبته ما راق للأفهام ، وحصل به للسامع المرام ، فقلت : يا شيخ ارم ببصر قلبك في ملكوت السماء ، وأجل سمع معرفتك في سكان الأرجاء ، وانقل حقيقة إيمانك إلى جنة المأوى ، فترى ما أعد اللّه تعالى فيها للأولياء ، ثم تشرف على نار لظى ، فترى ما أعد اللّه فيها للأشقياء ؛ فشتان ما بين الدارين ، ليس الفريقان في الموت سواء ، قال : يا شيخ إن اللّه تعالى عالم بسريرتك ، مطلع على حقيقة ضميرك ، شاهدك في خلوتك بعينه حيث كنت عند استتارك من خلقه ومبارزته ، فصاح صيحة كصيحته الأولى ثم قال : من لفقرى ، من لفاقتى ، من لذنبي ، من لخطيئتى ؟ أنت لي يا مولاي ، وإليك منقلبي ومثواي ، ثم خر ميتا رحمه اللّه ، فخرجت لي جارية عليها مدرعة من صوف وخمار من صوف قد ذهب السجود بجبهتها وأنفها ، وتورمت لطول القيام قدماها واصفر لونها ، فقالت : أحسنت واللّه يا حادي قلوب العارفين ، ومثير أشجان غليل المحزونين ، لا نسي لك هذا المقام رب العالمين ، هذا الشيخ الذي مبتلى بالسقم منذ عشرين سنة : صلى حتى أقعد ، وبكى حتى عمى وكان يتمناك على اللّه تعالى ويقول : حضرت مجلس أبى عامر ، فأحيا موات فكرى وطرد وسن نومى ، فإن سمعته ثانيا قتلني ، فجزاك اللّه من واعظ خيرا ، ومتعك من حكمته بما أعطاك ، ثم أكبت على أبيها تقبل بين عينيه وتبكى وتقول : يا أبتى يا أبتاه يا حليف الحرقة والبكاء ، يا أبتى يا أبتاه يا جليس الابتهال والدعاء ، يا أبتى يا أبتاه ، يا صريع المذكرين والخطباء ، يا أبتى يا أبتاه يا قتيل الوعاظ والحكماء ، قال أبو عامر : فأجبتها ، فقلت : أيتها الباكية الحيري ، والنائحة الثكلى ، إن أباك نحبه قد قضى ، وورد دار الجزاء ، وعاين كل ما عمل وعليه يحصى في كتاب عند رب لا يضل ولا ينسى ؛ فمحسن فله الزلفى ، ومسئ فوارد دار من أساء ؛ فصاحت الجارية كصيحة أبيها وجعلت ترشح عرقا ، ثم ماتت رحمهما اللّه تعالى ، فصلينا عليهما ودفناهما ، وسألت عنهما فقيل لي : هما من ولد الحسين بن